عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

173

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

وجوها ونورا ففي كل جزء منه وجوه كثيرة يسبح كل لسان في هذه الوجوه بلغة أخرى ، لا يشبه وجه وجها ولا لغة لغة ولا عين عينا ، ليس فيه عين إلا فيه من البرق والنور ما لا يحصى ، في جانب من جسده نور أحمر وفي جانب نور أصفر ، وفي جانب نور أخصر وفي جانب نور أبيض وليس في جسده من أعضائه وريشه وبشرته وشعره جزء إلا وهو يسبح بتسبيح آخر فيخرج في كل يوم من تسبيحه بعدد ما خلق اللّه من الملائكة يسبحون لو أراد أن يلتقم السماوات السبع بلقمة واحدة لأطاق لا يستطيع أحد من الملائكة ينظر إليه من نوره ، لا جبريل ولا ميكائيل ولا الكروبيون ، وهو الروح المذكور في القرآن يرفع إليه أمور أهل السماوات والأرضين ، وهو يرفعه إلى اللّه تعالى وهو صاحب الحجب وصاحب سرادقات العرش وهو كاتب الرحمن . فاعلم أنه الروح الأعظم والنور الأكبر الذي هو أول شيء تعلقت به القدرة بأمر كن كما صرح النبي - صلى اللّه عليه وسلم - في هذا الحديث فقال وهو الروح المذكور في القرآن وقوله : « من لدن رأسه إلى منتهى قدميه كان ممتلئا » إشارة إلى أن كل وجه من وجوهه وجه روح ينشأ منه الأنبياء والأولياء والمؤمنين والأمثل فالأمثل ، على حسب علو منشئها وسفلها وقوله : يسبح كل لسان في هذه الوجوه بلغة أخرى لا يشبه وجه وجها ولا لغة لغة ولا عين عينا . فهكذا وجوه الخلق ولغاتهم وعيونهم لا يشبه واحد منها واحدا وفي الحديث دليل على أن أرواح الملائكة تنشأت منه أيضا . وقوله : يرفع إليه أمور أهل السماوات والأرضين وهو يرفعه إلى اللّه تعالى هذا حال الروح الأعظم مع الأرواح المنشأة منه وهو الروح المقدور الأول روح حبيب اللّه ونبيه - صلى اللّه عليه وسلم - كما أخبر عن هذا الحال بقوله : « تعرض علي أعمال أمتي فأستبشر لمحسنها واستغفر لمسيئها » « 1 » وهو صاحب الحجب إذ به يرفع الحجب ، وهو صاحب سرادقات العرش الذي به يعبر عنها وهو كاتب الرحمن إذ سماه القلم ، بنوره كتب اللّه حروف الموجودات على صحيفة العدم كما قال تعالى : لولاك لما خلقت الكون وهذا كما يقول الزارع للبذر لولاك لما زرعت الشجرة ، وذلك أن روح النبي - صلى اللّه عليه وسلم - كان أول مخلوق وكان بمثابة البذر لشجرة الموجودات في البداية ، ثم كان شخصه بمثابة الثمرة لشجرة الموجودات في النهاية ، كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « نحن الآخرون السابقون » « 2 » فكما أن جميع أجزاء الشجرة يتنشأ من البذر كذلك يتنشأ جميع أجزاء شجرة الموجودات من بذر روحه

--> ( 1 ) رواه أحمد في المسند عن أنس بن مالك حديث رقم ( 12042 ) . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الجمعة ، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة ، حديث رقم ( 19 - 855 ) . ورواه أحمد في المسند عن أبي هريرة ، حديث رقم ( 7419 ) ورواه غيرهما .